ابن أبي الحديد

186

شرح نهج البلاغة

والقرب وعيش الملائكة . يا بنى لم صار الضب أطول شئ ذماء ! إلا لأنه يتبلغ بالنسيم . ولم زعم رسول الله صلى الله عليه وآله أن الصوم وجاء ! إلا ليجعله حجابا دون الشهوات ! فافهم تأديب الله ورسوله ، فإنهما لا يقصدان إلا مثلك . يا بنى ، إني قد بلغت تسعين عاما ما نقص لي سن ، ولا انتشر لي عصب ، ولا عرفت دنين أنف ، ولا سيلان عين ، ولا تقطير بول ، ما لذلك علة إلا التخفيف من الزاد ، فإن كنت تحب الحياة فهذه سبيل الحياة ، وإن كنت تريد الموت فلا يبعد الله إلا من ظلم . وكان يقال البطنة تذهب الفطنة . وقال عمرو بن العاص لأصحابه يوم حكم الحكمان : أكثروا لأبي موسى من الطعام الطيب فوالله ما بطن قوم قط إلا فقدوا عقولهم أو بعضها ، وما مضى عزم رجل بات بطينا . وكان يقال : أقلل طعاما تحمد مناما . ودعا عبد الملك بن مروان رجلا إلى الغداء فقال : ما في فضل ، فقال : إني أحب الرجل يأكل حتى لا يكون فيه فضل ، فقال : يا أمير المؤمنين ، عندي مستزاد ، ولكني أكره أن أصير إلى الحال التي استقبحها أمير المؤمنين . وكان يقال مسكين ابن آدم ، أسير الجوع ، صريع الشبع . وسأل عبد الملك أبا الزعيرعة ، فقال : هل أتخمت قط ؟ قال : لا ، قال : وكيف ؟ قال : لأنا إذا طبخنا أنضجنا ، وإذا مضغنا دققنا ، ولا نكظ المعدة ولا نخليها . وكان يقال : من المروءة أن يترك الانسان الطعام وهو بعد يشتهيه . وقال الشاعر : فإن قراب البطن يكفيك ملؤه * ويكفيك سوآت الأمور اجتنابها . وقال عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي : كان عمى يقول لي : لا تخرج يا بنى من منزلك